١٦‏/١٠‏/٢٠٢٦، ٥:٤٦ م

الكلفة الباهظة لعودة أمريكا إلى المواجهة مع إيران

الكلفة الباهظة لعودة أمريكا إلى المواجهة مع إيران

عودة أمريكا إلى المواجهة العسكرية مع إيران، في ظل استمرار واشنطن في التأكيد على تفوقها العسكري، يمكن أن تفرض على هذا البلد كلفة أكبر. وقد أظهرت تجربة المواجهات الأخيرة أن امتلاك أسلحة متطورة وقدرة نيرانية واسعة لا يعني بالضرورة تحقيق الأهداف الاستراتيجية.

وكالة مهر للأنباء: عودة أمريكا إلى المواجهة العسكرية مع إيران، في ظل استمرار واشنطن في التأكيد على تفوقها العسكري، يمكن أن تفرض على هذا البلد كلفة أكبر. وقد أظهرت تجربة المواجهات الأخيرة أن امتلاك أسلحة متطورة وقدرة نيرانية واسعة لا يعني بالضرورة تحقيق الأهداف الاستراتيجية. وإن استنزاف المخزونات العسكرية، وتضرر المعدات، وضرورة تأمين ذخائر بديلة، وقدرة إيران على استعادة قدراتها الدفاعية، من بين العوامل التي تجعل حسابات البيت الأبيض للدخول مجددًا في مواجهة عسكرية أكثر تعقيدًا.

أفادت صحيفة التايمز البريطانية في تقرير لها، بالإشارة إلى الكلفة المالية والعسكرية للهجمات الأمريكية السابقة على إيران، عن الضغط الكبير الذي شكّلته هذه المواجهة على الموارد العسكرية لواشنطن. ووفقًا لهذا التقرير، فإن كلفة أمريكا تجاوزت 43 مليار دولار، وتضررت عشرات الطائرات الأمريكية، كما تعرضت مخزونات صواريخ الاعتراض لديها لضغط. وهذه الأرقام، بغض النظر عن التقييم النهائي للنتائج العسكرية للمواجهة، تُظهر أن استمرار العمليات الواسعة ضد إيران يتطلب موارد مالية وتسليحية كبيرة؛ موارد لا يمكن استبدالها وإعادة بنائها في المدى القصير.

وتزداد أهمية هذه المسألة عندما توضع الكلفة المباشرة للعمليات العسكرية إلى جانب تبعاتها الاستراتيجية. ففي الحسابات العسكرية، لا يُعدّ عدد الهجمات المنفذة أو حجم الذخائر المستهلكة بحد ذاته معيارًا حاسمًا للنصر. وإنما المهم هو النسبة بين الكلفة المبذولة والأهداف التي كان يُفترض تحقيقها من خلال هذه الكلفة. وإذا رافقت عملية عسكرية استهلاك واسع للذخائر وتضرر للمعدات، لكنها لم تتمكن من إزالة قدرة الطرف المقابل على مواصلة المقاومة، فإن استمرار النهج نفسه يمكن أن يؤدي إلى زيادة الكلفة دون ضمان تحقيق النتيجة المرجوة.

استنزاف المخزونات العسكرية؛ التحدي الخفي لواشنطن

من أهم تبعات المواجهة العسكرية الضغط على المخزونات التسليحية والذخائر. فالاستخدام الواسع لصواريخ الاعتراض لمواجهة التهديدات الصاروخية والمسيّرة، ولا سيما عندما تكون الهجمات متواصلة، يمكن أن يقلل المخزونات الجاهزة للاستخدام ويزيد الحاجة إلى الإنتاج والتأمين مجددًا. وهذه المسألة تحظى بأهمية خاصة بالنسبة لأمريكا؛ لأن واشنطن، إضافة إلى التزاماتها العسكرية في منطقة غرب آسيا، يجب أن تحافظ على جهوزية قواتها لمواجهة الأزمات المحتملة في مناطق أخرى من العالم.

كما أن إعادة بناء المخزونات التسليحية لا تقتصر على تأمين الاعتماد المالي. فإنتاج بعض المنظومات المتطورة والذخائر المستخدمة فيها يحتاج إلى سلسلة توريد معقدة ومواد أولية خاصة وقدرة صناعية تخصصية. ولذلك، حتى في حال تخصيص ميزانية جديدة، فإن التعويض السريع للمخزونات المستهلكة ليس ممكنًا بالضرورة. وكلما زاد حجم استهلاك الذخائر في مواجهة ما، زاد الضغط على برامج الإنتاج، وأولويات تسليم الأسلحة، وتخصيص الموارد لمهام عسكرية أخرى.

وفي مثل هذه الظروف، لا يقتصر قرار واشنطن ببدء جولة جديدة من الهجمات على تقييم القدرة على تنفيذ العمليات المحدودة؛ بل يجب أيضًا أخذ كلفة الفرصة لاستهلاك الأسلحة وتأثيرها على الجهوزية العسكرية الأمريكية في المستقبل في الاعتبار. وبعبارة أخرى، يجب تقييم كل صاروخ يُستهلك في عملية ما في إطار الاحتياجات الدفاعية الأوسع لأمريكا.

قدرة إيران على الاستعادة وصعوبة التوصل إلى نتيجة قاطعة

وفي الطرف الآخر من هذه المعادلة، تقف قدرة إيران على الحفاظ على قدراتها الدفاعية وإعادة بنائها. وقد أشارت صحيفة التايمز في تقريرها إلى أن إيران، رغم الهجمات والضغوط العسكرية، تمكنت من استعادة جزء من قدراتها الصاروخية والمسيّرة. وهذه المسألة ذات أهمية من منظور الحسابات العسكرية؛ لأن فعالية أي عملية هجومية تعتمد إلى حد كبير على مدى تأثيرها المستدام على قدرة الطرف المقابل.

وإذا لم تتمكن الهجمات العسكرية من إزالة القدرة الدفاعية لبلد ما بشكل مستدام، فإن إلحاق الضرر في مرحلة زمنية معينة لا يعني بالضرورة إزالة قدرة ذلك البلد على مواصلة المواجهة. فإمكانية إصلاح المعدات، وإعادة بناء جزء من القدرات العملياتية، والحفاظ على القدرة الإنتاجية أو استخدام الأسلحة، يمكن أن تغيّر معادلة المواجهة على مر الزمن. وفي مثل هذه الحالة، قد يُضطر الطرف المهاجم إلى العودة مرة أخرى لاستخدام ذخائره ومعداته للحفاظ على الضغط العسكري؛ بينما تبقى النتيجة النهائية لهذه العملية غير مؤكدة. والنقطة الاستراتيجية واضحة: ما لم تُزل قدرة الطرف المقابل على مواصلة المقاومة، لا يمكن الحديث عن انتهاء قدرته الدفاعية استنادًا فقط إلى حجم الهجمات المنفذة.

لماذا يمكن أن تكون الهجمات مجددًا أكثر كلفة؟

دخول أمريكا مجددًا إلى المواجهة مع إيران، يمكن أن يكرر الدورة ذاتها الباهظة. فالعمليات الجديدة ستحتاج إلى ذخائر ومعدات دعم وتأمين وقود ونقل قوات وحماية قواعد ومنشآت عسكرية. وفي حال تضرر المعدات أو اتساع نطاق المواجهة، فإن الكلفة ستزداد أيضًا. وإضافة إلى ذلك، يمكن أن يؤثر استطالة الأزمة في سوق الطاقة والتوقعات الاقتصادية، وينقل تبعاتها إلى مجالات تتجاوز الميدان العسكري.

ومن جهة أخرى، يجب على أمريكا أن تأخذ في الحسبان أيضًا احتمال استطالة المواجهة وضرورة الحفاظ على الجهوزية لسيناريوهات غير متوقعة. فقد تبدأ العمليات العسكرية في مرحلتها الأولى بأهداف محدودة، لكن الردود المتبادلة وتغيّر الظروف يمكن أن يوسّعا نطاقها. وفي مثل هذه الظروف، لن تتطابق الكلفة النهائية بالضرورة مع التقديرات الأولية.

والمسألة الأساسية بالنسبة للبيت الأبيض هي ما إذا كانت كلفة مواجهة جديدة ستأتي بمكسب يتناسب معها أم لا. فإذا كان الهدف هو إضعاف القدرة الدفاعية الإيرانية بشكل مستدام، فإن استمرار القدرات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية يمكن أن يجعل تحقيق هذا الهدف أكثر صعوبة. وإذا كان الهدف أيضًا هو إجبار طهران على قبول مطالب واشنطن، فيجب أن يتضح ما إذا كان الضغط العسكري سيؤدي فعلًا إلى هذه النتيجة أم أنه سينتج كلفة أكبر فحسب.

اختبار الحسابات الاستراتيجية للبيت الأبيض

يوجّه تقرير التايمز مرة أخرى الأنظار إلى المسافة بين التفوق التسليحي وتحقيق النتيجة الاستراتيجية. فامتلاك قدرة عسكرية واسعة يوفر إمكانية إلحاق الضرر، لكنه لا يضمن بحد ذاته كفّ الطرف المقابل عن مواصلة المقاومة أو تحقيق الأهداف السياسية للمهاجم. وفي تقييم أي مواجهة، يجب أن تُؤخذ في الاعتبار في الوقت نفسه الكلفة المبذولة، وقدرة الطرفين على الاستعادة، ومدى تحقق الأهداف.

وبالنسبة لواشنطن، فإن العودة إلى المواجهة مع إيران دون أخذ تجربة الكلفة السابقة في الاعتبار، تعني الدخول مجددًا في مسار نتيجته معروفة سلفًا. فالضغط على المخزونات العسكرية الأمريكية، وقدرة إيران على إعادة بناء جزء من قدراتها الدفاعية، يُظهران أن تكرار الهجمات لا يغيّر بالضرورة المعادلة لصالح الطرف المهاجم.

وفي الختام، فإن التحدي الرئيسي لأمريكا ليس فقط القدرة على بدء عملية جديدة، بل إمكانية التوصل إلى نتيجة مستدامة بكلفة يمكن تحملها. وإذا لم تكن الهجمات السابقة قد حققت أهداف واشنطن المرجوة، فإن قرار تكرار المسار ذاته يتطلب إجابة واضحة عن هذا السؤال: ما الذي سيكون مختلفًا هذه المرة؟ وبدون هذه الإجابة، يمكن أن يكون الهجوم مجددًا، أكثر من كونه سبيلًا لحل الأزمة، بداية لمرحلة أخرى من استنزاف الموارد وزيادة الكلفة الاستراتيجية لأمريكا.

/انتهى/

رمز الخبر 1974717

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha